البداية > سيناء حيث أنا > كتاب الشهر في الذكري السنوية لرحيل درويش : مجموعة لا تعتذر عما فعلت و النص الكامل لاخر قصائده ” سقط القطار عن الخريطة “

كتاب الشهر في الذكري السنوية لرحيل درويش : مجموعة لا تعتذر عما فعلت و النص الكامل لاخر قصائده ” سقط القطار عن الخريطة “

اعتذار : حدث خطأ غير مقصود بوضع قصيدة  سقط القطار عن الخريطة كاّخر أعمال درويش والصحيح أن قصيدة لاعب النرد هي اخر أعماله يمكمكم قراءتها بالنقر هنا أو قراءة التدوينة الكاملة

في الثالث من أغسطس الحالي  تمر الذكرى السنوية الأولى لروح إنسانية تعذبت وعذبت بتراجيدينا إنسانية  لا تقل قسوة

الشاعر محمود درويش

الشاعر محمود درويش

عن تراجيديا وجودها ، توحد الألم بالدرجة التي لا يمكن فيها فصل أحدهما عن الآخر ، فكما لا يمكن أن نذكر درويش دون أن نذكر فلسطين ، أيضاً كان لا يمكن أن نذكر فلسطين دون أن نذكر درويش ، هو تاريخ من الألم حمله على ظهره هذا الرحال الأعلى قامة ، وكما يفعل المحب مع محبوبته حين يتمرد عليها أحيانا فعل درويش ،  هذا الارتباط ظل يعذبه ولكن لم يكن من خلاص ، عندما دوت أنشودته الأكثر إيلاما : “  أحمد العربي ” تنبه حتى قبل أن يغنيها مارسيل خليفة أن هذا الدرب لا محالة دربه ، حاول ولكنه في كل مرة كان يعود الي هناك إلى محبوبته تلك ، حتى قبل أن يرحل تاركاً الحياة علي حالها كانت هي معه في آخر نصوصه ” سقط القطار عن الخريطة ” هنا وفي هذه المساحة الضيقة اخترنا مجموعته الشعرية لا تعتذر عما فعلت ككتاب الشهر للمدونة هذا الشهر لتحميل المجموعة الشعرية اضغط هنا أو على الصورة  كما نضع هنا النص الكامل لآخر نصوصه الشعرية  ” سقط القطار عن الخريطة “

لا تعتذر عما فعلت : اضغط الصورة لتحميل المجموعة الشعرية

لا تعتذر عما فعلت : اضغط الصورة لتحميل المجموعة الشعرية

سقط القطار عن الخريطة

شعر :  محمود درويش

عُشْبٌ، هواء يابس، شوك، وصبار

علي سلك الحديد. هناك شكل الشيء

في عبثية اللاشكل يمضغ ظِلَّهُ…

عدم هناك موثق.. ومطوَّقٌ بنقيضه

ويمامتان تحلقان

علي سقيفة غرفة مهجورة عند المحطةِ

والمحطةُ مثل وشم ذاب في جسد المكان

هناك أيضا سروتان نحيلتان كإبرتين طويلتين

تطرّزان سحابة صفراء ليمونيّةً

وهناك سائحةٌ تصوّر مشهدين:

الأوّلَ، الشمسَ التي افترشتْ سرير البحرِ

والثاني، خُلوَّ المقعدِ الخشبيِّ من كيس المسافرِ

(يضجر الذهب السماويُّ المنافقُ من صلابتهِ)

وقفتُ علي المحطة.. لا لأنتظر القطارَ

ولا عواطفيَ الخبيئةَ في جماليات شيء ما بعيدٍ،

بل لأعرف كيف جُنَّ البحرُ وانكسر المكانُ

كحجرة خزفية، ومتى ولدتُ وأين عشتُ،

وكيف هاجرتِ الطيورُ الي الجنوب او الشمال.

ألا تزال بقيتي تكفي لينتصر الخياليُّ الخفيفُ

علي فساد الواقعيِّ؟ ألا تزال غزالتي حُبلَي؟

(كبرنا. كم كبرنا، والطريق الي السماء طويلةٌ)

كان القطار يسير كالأفعى الوديعة من

بلاد الشام حتى مصر. كان صفيرُهُ

يخفي ثُغاءَ الماعزِ المبحوحَ عن نهم الذئاب.

كأنه وقت خرافي لتدريب الذئاب علي صداقتنا.

وكان دخانه يعلو علي نار القرى المتفتّحات

الطالعات من الطبيعة كالشجيراتِ.

(الحياةُ بداهةٌ. وبيوتنا كقلوبنا مفتوحةُ الأبواب)

كنا طيبين وسُذَّجاً. قلنا: البلادُ بلادُنا

قلبُ الخريطة لن تصاب بأيَّ داءٍ خارجيٍّ.

والسماء كريمة معنا، ولا نتكلم الفصحى معاً

إلا لماماً: في مواعيد الصلاة، وفي ليالي القَدْر.

حاضُرنا يسامرنا: معاً نحيا، وماضينا يُسلّينا:

إذا احتجتم إليّ رجعتُ . كنا طيبين وحالمين

فلم نر الغدَ يسرق الماضي.. طريدَتَهُ، ويرحلُ

(كان حاضرنا يُرَبِّي القمح واليقطين قبل هنيهة،

ويُرقِّصُ الوادي)

وقفتُ علي المحطة في الغروب: ألا تزال

هنالك امرأتان في امرأة تُلَمِّعُ فَخْذَهَا بالبرق؟

أسطوريتان ـ عدوّتان ـ صديقتان، وتوأمان

علي سطوح الريح. واحدةٌ تغازلني. وثانيةٌ

تقاتلني؟ وهل كَسَرَ الدمُ المسفوكُ سيفاً

واحداً لأقول: إنّ إلهتي الأولي معي؟

(صدَّقْتُ أغنيتي القديمةَ كي أكذّبَ واقعي)

كان القطار سفينةً بريةً ترسو.. وتحملنا

الي مدن الخيال الواقعية كلما احتجنا الي

اللعب البريء مع المصائر. للنوافذ في القطار

مكانةُ السحريِّ في العاديِّ: يركض كل شيء.

تركض الأشجار والأفكار والأمواج والأبراج

تركض خلفنا. وروائح الليمون تركض. والهواء

وسائر الأشياء تركض، والحنين الي بعيد

غامضٍ، والقلب يركضُ.

(كلُّ شيءٍ كان مختلفاً ومؤتلفاً)

وقفتُ علي المحطة. كنت مهجوراً كغرفة حارس

الأوقات في تلك المحطة. كنتُ منهوباً يطل

علي خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك

العقلُ / ذاك الكنزُ لي؟ هل كان هذا

اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندي الليليِّ لي؟

هل كنتُ في يوم من الأيام تلميذَ الفراشة

في الهشاشة والجسارة تارة، وزميلها في

الاستعارة تارة؟ هل كنت في يوم من الأيام

لي؟ هل تمرض الذكري معي وتُصابُ بالحُمَّي؟

(أري أثري علي حجر، فأحسب انه قَمَري

وأنشدُ واقفاً)

طللية أخري وأُُهلك ذكرياتي في الوقوف

علي المحطة. لا أحب الآن هذا العشب،

هذا اليابس المنسيّ، هذا اليائس العبثيَّ،

يكتب سيرة النسيان في هذا المكان الزئبقيِّ.

ولا أحب الأقحوان علي قبور الأنبياء.

ولا أحب خلاص ذاتي بالمجاز، ولو أرادتني

الكمنجةُ إن أكون صدي لذاتي. لا أحب سوي

الرجوع الي حياتي، كي تكون نهايتي سرديةً لبدايتي.

(كدويّ أجراسٍ، هنا انكسر الزمان)

وقفتُ في الستين من جرحي. وقفتُ علي

المحطة، لا لأنتظر القطار ولا هتاف العائدين

من الجنوب الي السنابل، بل لأحفظ ساحل

الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي. أهذا…

كل هذا للغياب وما تبقي من فُتات الغيب لي؟

هل مرَّ بي شبحي ولوّح من بعيد واختفي

وسألتُهُ: هل كلما ابتسم الغريبُ لنا وَحَيَّانا

ذبحنا للغريب غزالةً؟

(وقع الصدى مني ككوز صنوبرٍ)

لا شيء يرشدني الي نفسي سوي حدسي.

تبيض يمامتان شريدتان رسائلَ المنفي علي كتفيَّ،

ثم تحلقان علي ارتفاع شاحب. وتمرُّ سائحةٌ

وتسألني: أيمكن إن أصوّركَ احتراماً للحقيقة؟

قلت: ما المعني؟ فقالت لي: أيمكن أن أصوّرك

امتدادا للطبيعةِ؟ قلت: يمكنُ.. كل شيء ممكنٌ.

فَعِمِي مساءً، واتركيني الآن كي أخلو الي

الموت.. ونفسي!

(للحقيقة، ههنا وجه وحيدٌ واحدٌ

ولذا.. سأنشد:)

أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنتَ اثنان

في الماضي، وفي الغد واحد. مَرَّ القطار

ولم نكن يَقِظَيْنِ، فانهض كاملاً متفائلاً،

لا تنتظر أحدا سواك هنا. هنا سقط القطار

عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحليِّ.

وشبَّت النيرانُ في قلب الخريطة، ثم أطفأها

الشتاء وقد تأخر. كم كبرنا كم كبرنا

قبل عودتنا الي أسمائنا الأولي:

(أقول لمن يراني عبر منظار علي بُرْجِ الحراسةِ:

لا أراكَ، ولا أراكََ )

أري مكاني كُلَّهُ حولي. أراني في المكان بكل

أعضائي وأسمائي. أري شجر النخيل ينقّح

الفصحى من الأخطاء في لغتي. أري عادات

زهر اللوز في تدريب أغنيتي علي فرح

فجائيٍّ . أري أثري وأتبعه. أري ظلي

وأرفعه من الوادي بملقط شعر كنعانية

ثكلي. أري ما لا يُري من جاذبيةِ

ما يسيل من الجمال الكامل المتكامل الكُليِّ

في أبد التلال، ولا أري قنّاصتي.

(ضيفاً علي نفسي أحلُّ )

هناك موتي يوقدون النار حول قبورهم.

وهناك احياءٌ يُعِدّون العشاء لضيفهم.

وهناك ما يكفي من الكلمات كي يعلو المجاز

علي الوقائع. كلما اغتمَّ المكانُ أضاءه

قمر نُحاسيٌّ وَوَسَّعَهُ. انا ضيف علي نفسي.

ستحرجني ضيافتها وتبهجني فأشرق بالكلام

وتشرق الكلمات بالدمع العصيّ. ويشرب الموتي

مع الأحياء نعناع الخلود، ولا يطيلون

الحديث عن القيامة

(لا قطار هناك، لا أحد سينتظر القطار)

بلادنا قَلْبُ الخريطة. قلبها المثقوبُ مثل القرش

في سوق الحديد. وآخر الركاب من احدي

جهات الشام حتى مصر لم يرجع ليدفع أجرة

القناص عن عمل إضافي كما يتوقع الغرباء.

لم يرجع ولم يحمل شهادة موته وحياته معه

لكي يتبين الفقهاء في علم القيامة أين موقعه

من الفردوس. كم كنا ملائكة وحمقي حين

صدقنا البيارق والخيول، وحين آمنّا بأن جناح

نسر سوف يرفعنا الي الأعلى!

(سمائي فكرةٌ. والأرض منفايَ المُفَضَّلُ)

كلُّ ما في الأمر إني لا اصدق غير حدسي.

للبراهين الحوار المستحيلُ. لقصة التكوين

تأويلُ الفلاسفة الطويلُ. لفكرتي عن عالمي

خَلَلٌ يسبّبه الرحيل. لجرحي الأبديِّ محكمة

بلا قاض حياديٍّ. يقول لي القضاة المنهكون

من الحقيقة: كل ما في الأمر أن حوادث

الطرقات أمرٌ شائع. سقط القطار عن

الخريطة واحترقتَ بجمرة الماضي. وهذا لم

يكن غزواً!

ولكني أقول: وكل ما في الأمر إني

لا اصدّق غير حدسي

“لاعب النرد” آخر قصائد محمود درويش

الأحد أغسطس 10 2008

مَنْ أَنا لأقول لكمْ

الشاعر محمود درويشما أَقول لكمْ ؟

وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ

فأصبح وجهاً

ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ

فأصبح ناياً …

أَنا لاعب النَرْدِ ،

أَربح حيناً وأَخسر حيناً

أَنا مثلكمْ

أَو أَقلُّ قليلاً …

وُلدتُ إلى جانب البئرِ

والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ

وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ

وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً

وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفَةً ،

ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ

وأَمراضها :

أَولاً – خَلَلاً في شرايينها

وضغطَ دمٍ مرتفعْ

ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ

والجدَّة – الشجرةْ

ثالثاً – أَملاً في الشفاء من الانفلونزا

بفنجان بابونجٍ ساخنٍ

رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً – مللاً في ليالي الشتاءْ

سادساً – فشلاً فادحاً في الغناءْ …

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ

كانت مصادفةً أَن أكونْ

ذَكَراً …

ومصادفةً أَن أَرى قمراً

شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات

ولم أَجتهد

كي أَجدْ

شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً !

كان يمكن أن لا أكونْ

كان يمكن أن لا يكون أَبي

قد تزوَّج أمي مصادفةً

أَو أكونْ

مثل أختي التي صرخت ثم ماتت

ولم تنتبه

إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ

ولم تعرف الوالدةْ …

أَو : كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ

قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ /

كانت مصادفة أَن أكون

أنا الحيّ في حادث الباصِ

حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّةْ

لأني نسيتُ الوجود وأَحواله

عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ

تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها

ودورَ الحبيب – الضحيَّةْ

فكنتُ شهيد الهوى في الروايةِ

والحيَّ في حادث السيرِ /

لا دور لي في المزاح مع البحرِ

لكنني وَلَدٌ طائشٌ

من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ

ينادي : تعال إليّْ !

ولا دور لي في النجاة من البحرِ

أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ

رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً

بجنِّ الُمعَلَّقة الجاهليّةِ

لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً

لا تطلُّ على البحرِ

لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القرى

تخبز الليلَ

لو أَن خمسة عشر شهيداً

أَعادوا بناء المتاريسِ

لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ

رُبَّما صرتُ زيتونةً

أو مُعَلِّم جغرافيا

أو خبيراً بمملكة النمل

أو حارساً للصدى !

مَنْ أنا لأقول لكم

ما أقول لكم

عند باب الكنيسةْ

ولستُ سوى رمية النرد

ما بين مُفْتَرِسٍ وفريسةْ

ربحت مزيداً من الصحو

لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ

بل لكي أَشهد اﻟﻤﺠزرةْ

نجوتُ مصادفةً : كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ

وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ

وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي

وخفتُ على زَمَنٍ من زجاجْ

وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي

وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ

وخفت على عِنَبِ الداليةْ

يتدلّى كأثداء كلبتنا …

ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ

حافياً ، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أريدُ

من الغد – لا وقت للغد -

أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ /

أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أسرعُ / أبطئ / أهوي

/ أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ

/ أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ

/ أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى

/ أرى / لا أرى / أتذكَُّر / أَسمعُ / أبصرُ / أهذي /

أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أجنّ /

أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أدْمَى

/ ويغمى عليّ /

ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك

مُصَادفةً ، أو هروباً من الجيشِ /

لا دور لي في حياتي

سوى أَنني ،

عندما عَلَّمتني تراتيلها ،

قلتُ : هل من مزيد ؟

وأَوقدتُ قنديلها

ثم حاولتُ تعديلها …

كان يمكن أن لا أكون سُنُونُوَّةً

لو أرادت لِيَ الريحُ ذلك ،

والريح حظُّ المسافرِ …

شمألتُ ، شرَّقتُ ، غَرَّبتُ

أما الجنوب فكان قصياً عصيّاً عليَّ

لأن الجنوب بلادي

فصرتُ مجاز سُنُونُوَّةٍ لأحلِّق فوق حطامي

ربيعاً خريفاً ..

أُعمِّدُ ريشي بغيم البحيرةِ

ثم أطيل سلامي

على الناصريِّ الذي لا يموتُ

لأن به نَفَسَ الله

والله حظُّ النبيّ …

ومن حسن حظّيَ أَنيَ جارُ الأُلوهةِ

من سوء حظّيَ أَن الصليب

هو السُلَّمُ الأزليُّ إلى غدنا !

مَنْ أَنا لأقول لكم

ما أقولُ لكم ،

مَنْ أنا ؟

كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ

والوحي حظُّ الوحيدين

« إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ »

على رُقْعَةٍ من ظلامْ

تشعُّ ، وقد لا تشعُّ

فيهوي الكلامْ

كريش على الرملِ /

لا دَوْرَ لي في القصيدة

غيرُ امتثالي لإيقاعها :

حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً

وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى

وغيبوبة في صدى الكلمات

وصورة نفسي التي انتقلت

إلى غيرها « أَنايَ » من

واعتمادي على نَفَسِي

وحنيني إلى النبعِ /

لا دور لي في القصيدة إلاَّ

إذا انقطع الوحيُ

والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ

كان يمكن ألاَّ أحبّ الفتاة التي

سألتني : كمِ الساعةُ الآنَ ؟

لو لم أَكن في طريقي إلى السينما …

كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما

هي ، أو خاطراً غامقاً مبهما …

هكذا تولد الكلماتُ . أدرِّبُ قلبي

على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ …

صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي

ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ

إذا التقتِ الاثنتانِ :

أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ

يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ

ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا

عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ

لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ .

وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين .

فأنت – وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ -

لا شكل لك

ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً

أَنت حظّ المساكين /

من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً

من الموت حبّاً

ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً

لأدخل في التجربةْ !

يقول المحبُّ اﻟﻤﺠرِّبُ في سرِّه :

هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ

فتسمعه العاشقةْ

وتقول : هو الحبّ ، يأتي ويذهبُ

كالبرق والصاعقة

للحياة أقول : على مهلك ، انتظريني

إلى أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي …

في الحديقة وردٌ مشاع ، ولا يستطيع

الهواءُ

الفكاكَ من الوردةِ /

انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي

فاُخطئ في اللحنِ /

في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ

لنشيد الوداع . على مَهْلِكِ اختصريني

لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع ،

وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ :

تحيا الحياة !

على رسلك احتضنيني لئلاَّ تبعثرني الريحُ /

حتى على الريح ، لا أستطيع الفكاك

من الأبجدية /

لولا وقوفي على جَبَلٍ

لفرحتُ بصومعة النسر : لا ضوء أَعلى !

ولكنَّ مجداً كهذا الُمتوَّجِ بالذهب الأزرق اللانهائيِّ

صعبُ الزيارة : يبقى الوحيدُ هناك وحيداً

ولا يستطيع النزول على قدميه

فلا النسر يمشي

ولا البشريُّ يطير

فيا لك من قمَّة تشبه الهاوية

أنت يا عزلة الجبل العالية !

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ

أو سأكونْ …

هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ

قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا

أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء

نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد

نسمّيه خادم آلهة في أساطيرَ

نحن الذين كتبنا النصوص لهم

واختبأنا وراء الأولمب …

فصدَّقهم باعةُ الخزف الجائعون

وكَذَّبَنا سادةُ الذهب المتخمون

ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال

هو الواقعيُّ على خشبات المسارحِ /

خلف الكواليس يختلف الأَمرُ

ليس السؤال : متى ؟

بل : لماذا ؟ وكيف ؟ وَمَنْ

مَنْ أنا لأقول لكم

ما أقول لكم ؟

كان يمكن أن لا أكون

وأن تقع القافلةْ

في كمين ، وأن تنقص العائلةْ

ولداً ،

هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدةَ

حرفاً فحرفاً ، ونزفاً ونزفاً

على هذه الكنبةْ

بدمٍ أسود اللون ، لا هو حبر الغراب

ولا صوتُهُ ،

بل هو الليل مُعْتَصراً كُلّه

قطرةً قطرةً ، بيد الحظِّ والموهبةْ

كان يمكن أن يربح الشعرُ أكثرَ لو

لم يكن هو ، لا غيره ، هُدْهُداً

فوق فُوَهَّة الهاويةْ

ربما قال : لو كنتُ غيري

لصرتُ أنا، مرَّةً ثانيةْ

هكذا أَتحايل : نرسيس ليس جميلاً

كما ظنّ . لكن صُنَّاعَهُ

ورَّطوهُ بمرآته . فأطال تأمُّلَهُ

في الهواء المقَطَّر بالماء …

لو كان في وسعه أن يرى غيره

لأحبَّ فتاةً تحملق فيه ،

وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان …

ولو كان أَذكى قليلاً

لحطَّم مرآتَهُ

ورأى كم هو الآخرون …

ولو كان حُرّاً لما صار أسطورةً …

والسرابُ كتابُ المسافر في البيد …

لولاه ، لولا السراب ، لما واصل السيرَ

بحثاً عن الماء . هذا سحاب – يقول

ويحمل إبريق آماله بِيَدٍ وبأخرى

يشدُّ على خصره . ويدقُّ خطاه على الرملِ

كي يجمع الغيم في حُفْرةٍ .

والسراب يناديه

يُغْويه ، يخدعه ، ثم يرفعه فوق : إقرأ

إذا ما استطعتَ القراءةَ . واكتبْ إذا

ما استطعت الكتابة . يقرأ : ماء ، وماء ،

وماء .

ويكتب سطراً على الرمل : لولا السراب

لما كنت حيّاً إلى الآن /

من حسن حظِّ المسافر أن الأملْ

توأمُ اليأس ، أو شعرُهُ المرتجل

حين تبدو السماءُ رماديّةً

وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً

من شقوق جدارْ

لا أقول : السماء رماديّةٌ

بل أطيل التفرُّس في وردةٍ

وأَقول لها : يا له من نهارْ !

ولاثنين من أصدقائي أقول على مدخل

الليل :

إن كان لا بُدَّ من حُلُم ، فليكُنْ

مثلنا … وبسيطاً

كأنْ : نَتَعَشَّى معاً بعد يَوْمَيْنِ

نحن الثلاثة ،

مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا

وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحداً

منذ يومين ،

فلنحتفل بسوناتا القمرْ

وتسامُحِ موت رآنا معاً سعداء

فغضَّ النظرْ !

لا أَقول : الحياة بعيداً هناك حقيقيَّةٌ

وخياليَّةُ الأمكنةْ

بل أقول : الحياة ، هنا ، ممكنةْ

ومصادفةً ، صارت الأرض أرضاً مُقَدَّسَةً

لا لأنَّ بحيراتها ورباها وأشجارها

نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ

بل لأن نبيّاً تمشَّى هناك

وصلَّى على صخرة فبكتْ

وهوى التلُّ من خشية الله

مُغْمىً عليه

ومصادفةً ، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ

متحفاً للهباء …

لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك

من الجانبين ، دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين

يقولان : هيّا . وينتظران الغنائمَ في

خيمتين حريرَيتَين من الجهتين …

يموت الجنود مراراً ولا يعلمون

إلى الآن مَنْ كان منتصراً !

ومصادفةً ، عاش بعض الرواة وقالوا :

لو انتصر الآخرون على الآخرين

لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أخرى

يا أرضُ خضراءَ . تُفَّاحَةً . « أحبك خضراءَ »ُ

تتموَّج في الضوء والماء . خضراء . ليلُكِ

أَخضر . فجرك أَخضر . فلتزرعيني برفق…

برفقِ يَدِ الأم ، في حفنة من هواء .

أَنا بذرة من بذورك خضراء … /

تلك القصيدة ليس لها شاعر واحدٌ

كان يمكن ألا تكون غنائيَّةَ …

من أنا لأقول لكم

ما أَقول لكم ؟

كان يمكن أَلاَّ أكون أَنا مَنْ أَنا

كان يمكن أَلاَّ أكون هنا …

كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ

بي صباحاً ،

ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحى

فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ

كان يمكن أَلاَّ أرى الشام والقاهرةْ

ولا متحف اللوفر ، والمدن الساحرةْ

كان يمكن ، لو كنت أَبطأَ في المشي ،

أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي

عن الأرزة الساهرةْ

كان يمكن ، لو كنتُ أَسرع في المشي ،

أَن أَتشظّى

وأصبح خاطرةً عابرةْ

كان يمكن ، لو كُنْتُ أَسرف في الحلم ،

أَن أَفقد الذاكرة .

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً

فأصغي إلى جسدي

وُأصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ

فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق

عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً

وُأخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم ؟

مَنْ أنا ؟ مَنْ أنا ؟

نشرت في الثاني من تموز (يوليو)2008

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

RSS مدونات من سيناء : أخبار سيناء

  • لقد حصل خطأ، من المحتمل وجود خطأ في ملف الخلاصة، حاول مجدداً لاحقاً.
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 48 other followers