سكت الجميع وتكلم الصغير ثم قال .. !!!
سكت الجميع وتكلم الصغير ثم قال .. !!!
أشرف العناني
ونحن صغار , في تلك القرى البعيدة المحرومة من نعمة الكهرباء ونعم أخرى عديدة , بالكاد قليل القليل من البهجة كان يضيء ليالينا , وحدها الليالي القمرية هي ما كانت تسرقنا من عتمة لا نهائية مسكونة بالخوف وعدّ أنفاسنا قبل النوم , حكايات وحكايات , ألعاب تبدأ كي لا تنتهي , واحدة تسلم للأخرى
, حتى يتملكنا التعب فتستلم الأرض أجسادنا المنهوكة ونهدأ أو يجبرنا أحدنا على الهدوء والصمت حين يهتف : ” سكت الجميع وتكلم الحمار ثم قال !!! … ” ولأن جميعنا لا يقبل أن يكون هو هذا الحمار الافتراضي نسكت ونحن نتفرس في بعضنا البعض منتظرين الذي يبدأ الكلام أو العطس أو أي حركة صوتية , هكذا تقول قواعد اللعبة , ويا ويله من يبدأ في الكلام أو حتى تسوقه عطسة لا إرادية لحظة العاثر فيصبح فريسة لتندرنا وتهكمنا عليه .
المدهش أن لعبة فخ الصمت هذه لم تكن تصطاد إلا الغرباء , من يحلون ضيوفا ً على جلستنا الليلية , يبادر بالنداء أو السلام فنفاجئه بالضحك الهستيري والتلاسن على حظه العاثر , أحيانا ً يصادف أن يمر قريب أحدنا من الكبار , عابر بالصدفة , أب أو خال أو عم لأحدنا , بالطبع نكتم ضحكاتنا, نضع أيادينا الصغيرة على أفواهنا حتى يعبر . سمّه خوفا ً , سمه احتراماّ , سمه ما شئت لكن ما أن يعبر بسلام ويبتعد حتى تبتعد أيادينا عن أفواهنا و لك أن تتخيل أنت ما سينال قريبه من تهكم , لكن الذي أستغربه الآن وأنا على بعد سنوات طويلة من كل ذلك , كيف أننا كنا ننسي كل شيء فور أن تنتهي اللعبة فتعود الألفة إلى حالها , يعود كل منا إلى بيته دون أن يحمل للآخر ذرة من كراهية أو حتى عتب .
أما الأكثر إدهاشا ً بالنسبة لي أن تلك اللعبة نفسها تتكرر الآن على نطاق واسع في بلداننا العربية , فقط تغير اللاعبون وتغيرت القواعد قليلا ً , فاللاعبون في حالتنا هذه هم الكبار , هم النخب السياسية والثقافية والاجتماعية , أما القواعد الجديدة للعبة فدعونا نتأملها معا ً .
حسنا ً تخندقت كل كتلة سياسية أو ثقافية في خندقها وراحت تستسلم لقواعد اللعبة الجديدة , ” ليس كل ما يعرف يقال “, السكوت هنا لا يعني الصمت بمعناه الشامل ولكنه يعني التحريف المعنوي ل ” انصر أخاك ظالما أو مظلوما ً ” فواقع الحال ليس بالمنطق الإسلامي الذي تكلم عنه الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم حين سألته الصحابة :” وكيف ننصره ظالما ً ؟؟” فقال: بأن ” ترده عن ظلمه ” , واقع الحال في حالة الخنادق هذه هو نصرة الأخ ظالما أو مظلوما ً بالمعنى الحرفي , وإلا فليفسر لي أحد معنى أن تتهافت النخب الثقافية و السياسية التي كانت تملأ الدنيا سمعا ُ للدفاع عن النظام السوري مبررة ما يرتكبه من فظائع , أن يفعل ذلك مثقفون بوزن دريد لحام وسياسيون بوزن حسن نصر الله , ألا يعني هذا شيئا ً ؟؟
الورطة أن البعض فعل الشيء نفسه – وإن على استحياء – في حالة القذافي وعلى عبد الله صالح , هل فعلت القبلية ما عليها في تلك الحالتين على وجه الخصوص ؟؟ , ربما .., لكن قواعد اللعبة ظلت على حالها ’ هل تذكرون جملة عزت الدوري الشهيرة ” يا صغير .. يا قرد ” في الكويت , قاعدة أخرى
تحدث عنها السيد بوش الرئيس الأمريكي السابق ” إن لم تكن معي فأنت ضدي !!” , تلك هي حتمية التخندق الذي تحياه النخب السياسية والثقافية على نطاق واسع الآن , لكل خندق منطقه الذي لا يقبل القسمة على اثنين , المؤسف أن حالة التخندق هذه لا تنسحب فقط على النخب الثقافية والسياسية التقليدية , لكنها أيضا ً أصابت بالعدوى تلك النخب الجديدة التي تحاول أن ترفع رأسها الآن , ليبراليون , يساريون , إسلاميون , شيعة , سنة , ممانعة , موالاة , اعتدال , مقاومة , لكل ٍ خندقه , والقاعدة ” ليس كل ما يعرف يقال ” أما الخارج عنها فليس هو الحمار كما كان الحال في لعبتنا ونحن صغار , وإنما هو الخائن الصغير مقاما الوضيع عميل القوى الخارجية التي أستغرب كيف أجمع المتخاصمون عليها .




![Validate my RSS feed [Valid RSS]](valid-rss.png)


























(تخندقت كل كتلة سياسية أو ثقافية في خندقها)
اوافقك الرأى وادعو الله أن يجتمعـــــوا مرة أخـرى
قبل فوات الأوان فنندم وقــــــت لا ينفع الـــــــــــــــــندم
ليتهم يفقهون نور